ابن أبي الحديد

62

شرح نهج البلاغة

وذلك اللفظ الدال على المجاز ، إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركه في الدلالة عليه ، كأن اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء : أحدها الحقيقة ، والآخران المجازان . وهذا مخالف لأصل الوضع ، لان أصل الوضع أن تتكلم بشئ وأنت تريد غيره ، وهاهنا يكون قد تكلمت بشئ وأنت تريد شيئين غيرين ، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا لأصل الوضع أيضا ، إذ أصل الوضع أن تتكلم بشئ وأنت تريد غيره ، فيكون الذي تكلمت به دالا على غيره ، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة ، لم يكن الذي تكلمت به ، وهذا محال ، فثبت إذن أن الكناية هي أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز . قال : وهذا مما لم يسبقني إليه أحد . ثم قال : قد يأتي من الكلام ما يجوز أن يكون كناية ، ويجوز أن يكون استعارة ، ويختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده . كقول نصر بن سيار [ في أبياته المشهورة التي يحرض بها على بنى أمية عند خروج أبى مسلم ] ( 1 ) : أرى خلل الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام ( 2 ) فإن النار بالزندين تورى * وإن الحرب أولها كلام ( 3 )

--> ( 1 ) من المثل السائر . ( 2 ) الأبيات في الاخبار الطوال 340 ( 3 ) الاخبار الطوال : * وإن الشر مبدؤه الكلام *